أبعد من قضية الحجاب

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
عندما قرر الزعيم التركي رجب طيب أردوغان ورفاقه في حكومة «حزب العدالة والتنمية» ذي الجذور الإسلامية التقدم إلى البرلمان بتعديل دستوري لإلغاء الحظر على ارتداء الحجاب الإسلامي في الجامعات فإنهم كانوا يدركون أن هذا التحرك الجريء سيؤدي إلى إثارة مشاعر غضب بين جماهير فئات العلمانيين، لكنهم في الوقت نفسه كانوا على يقين بأنهم يتجاوبون مع الرغبة الجماعية لغالبية الشعب التركي التي هيأت لهم الصعود إلى السلطة من خلال فوز كاسح في انتخابات عامة في إطار نظام ديمقراطي تعددي.
 
النخبة العلمانية غضبت بالفعل.. وحرضت جماهيرها على الخروج إلى الشارع لتعبر عن هذا الغضب. ولكن بقي تساؤل: هل حظر الحجاب في الجامعات أو عدم حظره مسألة حياة أو موت لتثير هذا الغضب العلماني العارم؟ رد الفعل العلماني يبدو مبالغاً فيه بما يثير الاستغراب. لكن الاستغراب يتلاشى إذا دققنا النظر تحت السطح. 
 
فئات العلمانيين الأتراك يعيشون حالة تخوف ليس من قرار إلغاء حظر الحجاب في حد ذاته، وإنما لأن هذا القرار يرمز من ناحية إلى ما يمكن أن نطلق عليه انتفاضة اجتماعية ضد الأتاتوركية على الصعيد الشعبي وتجاوب حكومة ذات توجه إسلامي مع هذه الانتفاضة، لذا فإن الغضب العارم الذي عبر عنه العلمانيون مفهوم، وبالتالي فإن الخوف الذي انبعث عنه هذا الغضب مفهوم أيضاً. 
 
لكن لا الغضب ولا الخوف مبرران، وهناك وجه آخر للمسألة، على مدى عقود زمنية طويلة متصلة ظلت ثوابت وسياسات مؤسسة السلطة التركية متحيزة إلى العلمانيين بشرائحهم الطبقية من حيث الامتيازات الاقتصادية والطبقية، فبينما كانت أبواب التوظيف في مؤسسات الخدمة العامة مفتوحة أمامهم فإنها كانت في الوقت نفسه مغلقة أمام كل من يشتبه أنهم متدينون. 
 
ولكن خلال السنوات العشر الأخيرة أخذت تهب رياح تغيير بظهور أجيال جديدة من الأتراك تجمع بين المؤهلات العلمية والتدين. هذه هي الأجيال التي يعبر عنها حزب العدالة والتنمية والتي منحته الدعم الجماهيري اللازم للصعود إلى الحكم. 
 
هذا التحول ترافق معه ترسخ المبادئ والقيم الديمقراطية الليبرالية مما أدى إلى ضمور نفوذ المؤسسة العسكرية التي نصبت نفسها حارساً للعلمانية الأتاتوركية على مدى عشرات السنين ويتسارع إيقاع هذا الضمور مع مضي تركيا قدماً في تطبيق الإصلاحات الديمقراطية التي يتطلبها طموحها إلى الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي كشروط لازمة. 
 
هنا نتوقف لنتساءل: أليس عجيباً أن يكون المستفيد الأول من مثل هذه الإصلاحات في تركيا هم الإسلاميون.. وأن يكون المتضررون منها هم العلمانيون الذين يدعون إلى الاقتداء بالغرب وقيمه الثقافية؟ على الصعيد العلمي لا يؤمن العلمانيون في تركيا ـ مثلهم مثل أضرابهم في بلدان العالم الإسلامي الأخرى ـ بالديمقراطية الليبرالية. 
 
إنهم يحبذون نظام حكم استبدادي يحكم بالحديد والنار لقمع نشاط التنظيمات الإسلامية من ناحية ومحاربة الدين الإسلامي كأسلوب حياة للمجتمع من ناحية أخرى. من هذا المنظور يخشى علمانيو تركيا من أن إلغاء حظر الحجاب مقدمة لخطوات لاحقة على طريق رد الاعتبار للأغلبية المتدينة على قاعدة تكافؤ الفرص مثل فتح أبواب التوظيف في أجهزة الخدمة العامة أمام الجميع دون تمييز فئة على أخرى أو شخص على آخر وأبواب الكليات العسكرية والقضاء والسلك الدبلوماسي وغيرها مما ينسف السياسات التمييزية.
أحمد عمرابي
العربية
No votes yet